حددت وزارة الأوقاف، موضوعي خطبة الجمعة القادمة 22 من شهر مايو 2026م الموافق 5 من ذي الحجة 1447هـ، وستكون الخطبة الأولى بعنوان “يوم عرفة.. يوم المباهاة الإلهية”، وهدفها التوعيةُ بفضائل يوم عرفة، يومِ العتق الأكبر والمباهاة الربانية، والحثُّ على اغتنامه، وأما الخطبة الثانية فستكون بعنوان االتحذير من إلقاء القمامة في الشوارع (مخلفات ذبح الأضاحي).
وقد أصدرت وزارة الأوقاف، الإصدار الرابع والخمسون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء… يوم عرفة يوم المباهاةِ الإلهية، للاسترشاد به من جانب الأئمة والخطباء في الخطبة القادمة 22 من شهر مايو 2026م الموافق 5 من ذي الحجة 1447هـ كالتالي:
نص الخطبة الأولى
يوم عرفة يوم المباهاةِ الإلهية
الحمد لله الذي اختصَّ من الأزمنة أيامًا للنفحات، تُفتح فيها أبواب السماوات، وتتنزّل فيها الرحمات، وتُقال فيها العثرات، وتُغفر فيها الزلات، فجعل يوم عرفة أعظمَ الأيام شأنًا، وأكثرَها غفرانًا وعتقًا، ونصلي ونسلم على سيدنا محمدٍ خير من وقف بعرفة خاشعًا داعيًا متضرعًا، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:
فإننا على موعد مع يومٍ تهتزُّ له القلوب المؤمنة شوقًا، وتفيض فيه الأرواح رجاءً، يومٍ يباهي الله فيه بأهل الموقف ملائكتَه الكرام، يومٍ تُسكب فيه العبرات، وتُرفع فيه الدعوات، وتُغسل فيه الصحائف من أدران الذنوب، إنه يوم عرفة؛ يوم العتق الأكبر من النار، يومٌ إذا أقبل أقبلَت معه الرحمات، وإذا حلَّ تنزّلت فيه البركات، فطوبى لعبدٍ عرف قدر هذا اليوم، فأحيا ساعاته بالتوبة والذكر والدعاء، ورجا من مولاه أن يكون من عتقائه الفائزين.
وإليك طرفًا من فضائل هذا اليوم المبارك:
احتفاء القرآن الكريم بيوم عرفة:
لقد احتفى القرآن الكريم بيوم عرفة احتفاءً عظيمًا، فنوَّه بشأنه، ورفع قدره، وجعل له من الفضل والمكانة ما يدل على عظيم منزلته عند الله تعالى، إذ ارتبط هذا اليوم بأداء ركن لعبادة من أجلِّ العبادات وأعظم الشعائر، شعيرةِ الحج التي تتجلى فيها معاني التوحيد والخضوع والتجرد لله رب العالمين.
وقد أشار القرآن إلى هذا المنسك المبارك في مواضع عديدة، فقال سبحانه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، فخصَّ عرفات بالذكر تشريفًا لمقامه، وبيانًا لعظمة الوقوف به، حتى صار الوقوف بعرفة ركنَ الحج الأعظم، فيا له من يومٍ تتطلع إليه القلوب المؤمنة شوقًا ورجاءً.
لقد أكثر الله تعالى في كتابه العزيز عن ذكر يوم عرفة تصريحًا وتلميحًا في آيات عديدة منها:
قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣] يعني: يوم عرفة، قال الطبري: “وأولى الأقوال في وقت نزول الآية، القولُ الذي روي عن عمر بن الخطاب: أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة” [جامع البيان] فجاء نزولها إعلانًا ربانيًّا بكمال هذا الدين، وتمام هذه النعمة، ورضا الله بالإسلام دينًا خالدًا للبشرية إلى قيام الساعة، فاجتمع ليوم عرفة بذلك شرفُ الزمان، وعظمةُ المكان، وجلالُ الحدث؛ إذ شهد نزول آيةٍ تُعد من أعظم آيات القرآن أثرًا ودلالة، فكان يومًا اكتمل فيه نور الرسالة، وتمَّ فيه بناء الشريعة، وفاضت فيه على الأمة أعظمُ نعم الله ورضوانه.
ويومُ عرفة هو يومُ الحجِّ الأكبر، والمشهدُ الأعظم الذي تتجلّى فيه معاني العبودية والخضوع لله رب العالمين، ففيه يجتمع الحجيج على صعيدٍ واحد، مجرَّدين من زينة الدنيا وفوارقها، رافعين أكفَّ الضراعة، تفيض أعينُهم بالرجاء، وتلهج ألسنتهم بالتلبية والدعاء، وكأنَّ البشرية كلها قد وقفت بين يدي ربها تستمطر رحمته وتلتمس عفوه، وقد عظَّم الله هذا اليوم فقال تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبرِ} [التوبة: ٣]، قال الإمام الزجاج: “يَومُ الحج الأكبر هو يوم عرفة، والحج الأكبر الوُقوف بعرفة، وقيل: الحج الأصغر العمرة” [معاني القرآن وإعرابه].
وقال تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: ٣] قَال سيدنا علي وأبو هريرة وعكرمة وقتادة وغيرهم: «الشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ» [رواه أحمد]
وقال تعالى: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: ٣] فقال جمع من السلف بأن الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة، لأن عرفة يوم التاسع وهو وتر، والنحر يوم العاشر وهو شفع. وقيل: لأنّ يوم النحر يشفع بيوم نحر بعده، وينفرد يوم عرفة بالموقف. [جامع البيان]
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي أشارت إلى هذا اليوم العظيم.
يومُ عرفة أعظمُ الأيام قدرًا عند الله تعالى:
فقد روى الإمام ابن حبان في “صحيحه” من حديث سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَمَا مِنْ يوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يوْمِ عَرَفَةَ».
قال ابن رجب: “فأيَّام هذا العَشْر يشتمل على يوم عَرَفَة، وقد رُوي أنَّه أفضَلُ أيَّام الدنيا، كما جاء في حديث جابرٍ الذي ذكرناه” [لطائف المعارف].
وروي من وجهٍ آخر بزيادةٍ، وهي: «ولا لياليَ أفضَلُ من لياليهِنَّ»، قيل: يا رسولَ الله، هُنَّ أفضلُ من عدتِهِنَّ جِهادًا في سبيل الله؟ قال: «هنَّ أفضَلُ من عدتِهِنَّ جِهادًا في سبيل الله، إِلَّا من عُفِّرَ وجهُه تعفِيرًا، وما من يومٍ أفضَلُ مِن يوم عَرَفَةَ»، خرَّجه الحافظ أبو موسى المديني من جهة أبي نُعيم الحافظ بالإِسناد الذي خرَّجه به ابن حبان [لطائف المعارف].
وعن سيدنا أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: ” كَانَ يُقَالُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ بِكُلِّ يَوْمٍ أَلْفٌ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ عَشْرَةُ آلَافِ يَوْمٍ”، يَعْنِي: “فِي الْفَضْلِ” [شعب الإيمان].
وهو أحد أيام الأشهر الحرم المعظمة، قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [سورة التوبة: ٣٩].
وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» [متفق عليه].
فهو من أعظم أيام الدنيا، وخير يوم طلعت فيه الشمس؛ فاغتنمه، واجعله شاهدًا لك لا عليك، ولن يخيب الله أملك، ولن يضيع سعيك، ولن يدخر عنك رحمة تغمرك.
يوم عرفة يوم المباهاة الربانية:
إن أعلى وأسمى ما يحظى به العبد بين يدي مولاه، أن يكون في موضع المباهاة، فيباهي بأهل أرضه أهلَ سماواته، وفي يوم عرفة يجود الله عز وجل على عباده جودًا عظيمًا حتى يُرى فيه إبليس أحقر ما يكون بسبب ما يرى من تنزُّل الرحمات، وفيض المكرُمات من رب السموات جل جلاله، وفضل يوم عرفة يشمل عباد الله في أرجاء الدنيا؛ الحجيج وغيرهم، لذا ينبغي للمسلم أن يتعرض لنفحات الرحمة والمغفرة في هذا اليوم؛ فهو أكثر ما يعتق الله فيه من النار؛ فعن أم المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها قالت قال رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِم الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» [رواه مسلم].
قال النووي: “هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة”، ثم أشار إلى مفهوم دنوه سبحانه في هذا اليوم فقال ناقلا عن القاضي عياض، قال المازري: معنى يدنو في هذا الحديث، أي: تدنو رحمته وكرامته لا دنوَّ مسافة ومماسة، ثم قال: قال القاضي: وقد يريد دنو الملائكة إلى الأرض أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة ومباهاة الملائكة بهم عن أمره سبحانه وتعالى. [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ مَلَائِكَةَ أَهْلِ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلَاءِ جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا» [رواه ابن حبان].
وفي “مصنف عبد الرزاق” من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، في حديث الرجلين اللَّذين جاءا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسألانه عن أمر دينهم، وكان من جوابه لهما: «أَمَّا وُقُوفُكَ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: هَؤُلَاءِ عِبَادِي جَاءُوا شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَيَخَافُونَ عَذَابِي، وَلَمْ يَرَوْنِي، فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي، فَلَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ رَمْلِ عَالِجٍ، أَوْ مِثْلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا، أَوْ مِثْلُ قَطْرِ السَّمَاءِ ذُنُوبًا، غَسَلَهَا اللهُ».
قال ابن عبد البر: “وهذا يدُلُّ على أنَّهم مَغفُورٌ لهم؛ لأنَّه لا يُباهي بأهلِ الخطايا والذُّنوب إلّا من بعدِ التَّوبةِ والغُفران”. [التمهيد].
يوم التجلي الأعظم:
فما من يوم تنثال فيه رحمات الله على عباده كيوم عرفة، وما من يوم يطلع الله تعالى بجوده وإحسانه على خلقه كيوم عرفة، فعَنْ أَبِي دَاوُدَ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا يَبْقَى أَحَدٌ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلا غُفِرَ لَهُ»، فَقَالَ رجل: لأهل عرفة خاصة يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: «لا بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً». [رواه الطبراني].
وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: “كَانَ فُلانٌ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عَرَفَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ الْفَتَى يُلاحِظُ النِّسَاءَ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، قَالَ: وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ بِيَدِهِ مِنْ خَلْفِهِ مِرَارًا، قَالَ: وَجَعَلَ الْفَتَى يُلاحِظُ إِلَيْهِنَّ”، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ابْنَ أَخِي، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ، وَبَصَرَهُ، وَلِسَانَهُ، غُفِرَ لَهُ» [ مسند أحمد].
الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم للحج:
إنَّ الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم، فبدونه يبطل الحج ولا يصح؛ «فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ يَعْمَرَ الدِّيلِيَّ قال: شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ وَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ الْحَجُّ؟ فَقَالَ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ…» [مسند أحمد].
قال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: أي: معظم الحج وركنه الأكبر [فتح الباري]، وقال ابن دقيق العيد: معظمه وعماده [شرح الأربعين النووية].
يوم عرفة يوم عيد:
إن مفهوم العيد في الإسلام ما يُعاد بالخير على المسلمين، فكل يوم نطيع الله تعالى فيه ويذكرنا بالله تعالى فهو لنا عيد، وأفضل هذه الأيام على الإطلاق أيام الحج وأعلاها يوم عرفة، فعَنْ سيدنا عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» [سنن الترمذي].
قال ابن رجب الحنبلي: “إكمال الدين وإتمام النعمة أنزله الله في يوم شرعه عيدًا لهذه الأمة من وجهين: أحدهما: أنه يوم عيد الأسبوع وهو يوم الجمعة، والثاني: أنه يوم عيد أهل الموسم وهو يوم مجمعهم الأكبر وموقفهم الأعظم، وقد قيل: أنه يوم الحج الأكبر” [فتح الباري].
يوم عرفة خير يوم يُدحَرُ فيه الشيطان ويَصغُر:
وذلك من كثرة ما يرى من الرحمة والمغفرة النازلة من الله تعالى على عباده، فعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا، هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ، مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ»، قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ» [رواه مالك].
قال أبو الوليد الباجي: ” قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الصَّغَارَ وَالْخِزْيَ وَالذُّلَّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَضَاؤُلَهُ وَصِغَرَ جِسْمِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُصِيبُهُ عِنْدَ نُزُولِ الْمَلَائِكَةِ وَإِغْضَابِ نُزُولِهَا لَهُ، وَقَوْلُهُ وَلَا أَحْقَرُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي أَصْغَر، وَقَوْلُهُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْ الْغَيْظِ الَّذِي يُصِيبُهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ. [المنتقى شرح الموطأ].
وقال الزرقاني: “وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ -أي الشيطان- يَرَى الرَّحْمَةَ نَفْسَهَا، وَلَعَلَّهُ رَأَى الْمَلَائِكَةَ تَبْسُطُ أَجْنِحَتَهَا بِالدُّعَاءِ لِلْحَاجِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَمِعَ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ: غُفِرَ لِهَؤُلَاءِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَعَلِمَ أَنَّهُمْ نَزَلُوا بِالرَّحْمَةِ، وَرُؤْيَتُهُ الْمَلَائِكَةَ لِلْغَيْظِ لَا لِلْإِكْرَامِ، قَالَهُ أَبُو عَبدِ المَلِكِ البَونِيُّ (وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ) الْكَبَائِرِ الَّتِي زَيَّنَهَا لَهُمْ – لَعَنَهُ اللَّهُ – وَكَانَ يَوَدُّ أَنْ يُهْلِكَهُمْ بِهَا وَانْتِقَالَهُمْ مِنْهَا إِلَى الْكُفْرِ، لِأَنَّهَا كَمَا قِيلَ بَرِيدُهُ؛ فَيَخْلُدُوا فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ مِثْلَهُ” [شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك]
أعظم الناس ذنبًا من ظن أن الله لا يغفر لأهل عرفة:
“إن أعظم الناس ذنبًا من وقف بعرفة فظنّ أنّ الله عزّ وجلّ لم يغفر له، ويقال إنّ من الذنوب ذنوبًا لا يكفّرها إلاّ الوقوف بعرفة” [قوت القلوب].
وفي الأثر: «أعظمُ النَّاس ذَنبًا مَن وَقَفَ بِعَرَفَة فَظن أَن الله لم يَغْفِر لَهُ» [أخرجه الْخَطِيب فِي الْمُتَّفق والمفترق، والديلمي فِي مُسْند الفردوس].
وقال أبو طالب المكي: “وحدثونا عن عليّ بن الموفَّق قال: حججتُ سنةً، فلما كان ليلة عرفة بتُّ بمنى في مسجد الخِيف، فرأيت في المنام كأنَّ ملَكَين قد نزلا من السماء عليهما ثيابٌ خضرٌ فنادى أحدهما صاحبه: يا عبيد الله، فقال الآخر: لبيك يا عبد الله، قال: تدري كم حجّ بيت ربنا في هذه السنة؟ قال: لا أدري، قال: حجّ بيتَ ربِّنا ستُمائة ألف، فتدري كم قُبِل منهم؟ قال: لا، قال: قُبِل منهم ستةُ أنفُسٍ، قال: ثم ارتفعا في الهواء فغابا عني فانتبهتُ فزعًا فاغتممت غمًّا شديدًا وأهمّني أمري فقلت: إذا قُبل حجُّ ستةِ أنفس فأين أكون أنا في ستة أنفس؟ فلما أفضنا من عرفة وبت عند المشعر الحرام جعلت أفكر في كثرة الخلق وفي قلة من قُبِل منهم فحملني النوم، فإذا الشخصان قد نزلا من السماء على هيئتهما فنادى أحدهما: يا عبد الله، قال: لبيك يا عبد الله، قال: تدري كم حجّ بيت ربنا؟ قال: نعم ستمائة ألف، قال: فتدري كم قبل منهم؟ قال: نعم ستة أنفس، قال: فتدري ماذا حكم ربنا في هذه الليلة؟ قال: لا، قال: فإنه وهب لكل واحد من الستة مائة ألف، قال: فانتبهت وبي من السرور ما يجلّ من الوصف” [قوت القلوب].
خير الدعاء دعاء يوم عرفة:
يستحب في يوم عرفة الإكثار من ذكر الله، والإلحاح في الدعاء للحاج وغيره؛ فإنه يرجى فيه الإجابة، فأظهِروا فيه الندامةَ والانكِسار، والحاجةَ والاضطرار؛ والله حييٌّ كريم، يستحيي أن يرفع العبد يديه فيردهما صفرًا.
وعن سيدنا أُسَامَة بْن زَيْدٍ رضي الله عنهما قال: “كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ، فَسَقَطَ خِطَامُهَا فَتَنَاوَلَ الْخِطَامَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ الْأُخْرَى” [رواه النسائي وأحمد].
قَالَ الإمام الْبَيْهَقِيُّ: “وَيُتَحَرَّى لِلدُّعَاءِ الْأَوْقَاتُ وَالْأَحْوَالُ وَالْمَوَاطِنُ الَّتِي يُرْجَى فِيهَا الْإِجَابَةُ، فَأَمَّا الْأَوْقَاتُ فَمِنْهَا: الدُّعَاءُ يَوْمَ عَرَفَةَ”. [شعب الإيمان].
وقد عظَّم النبي صلى الله عليه وسلم من فضل الدعاء يوم عرفة لما فيه من أسرار القبول والتجلي الرحماني، كما قال الإمام الغزالي: “من اجتماع الهمم، وَتَعَاوُنِ الْقُلُوبِ عَلَى اسْتِدْرَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فهذا أحد أسباب شرف الأوقات سوى ما فيها من أسرار لا يطلع البشر عليها” [إحياء علوم الدين].
وأجمع الدعاء وأعظمه ما جاء عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنهم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [رواه الترمذي].
ومن الدعاء المأثور عن النبي ﷺ يوم عرفة ما رواه البيهقي عن موسى بن عبيدة عن أخيه عبدِ اللَّهِ بنِ عُبَيدَةَ، عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: «أكثَرُ دُعائي ودُعاءِ الأنبياءِ قَبلِي بعَرَفَةَ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وحدَه لا شَريكَ له، لَه المُلكُ ولَه الحَمدُ وهو على كُلِّ شَيء قَديرٌ، اللَّهُمَّ اجعَلْ في قَلبِي نورًا، وفي سَمعِي نورًا، وفِي بَصَرِى نورًا، اللَّهُمَّ اشرَحْ لِي صَدرِي، ويَسِّرْ لِي أمرِي، وأَعوذُ بكَ مِن وَسْواسِ الصَّدرِ، وشَتاتِ الأمرِ، وفِتنَةِ القَبرِ، اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن شَرِّ ما يَلِجُ في اللَّيلِ، وشَرِّ ما يَلِجُ في النَّهارِ، وشَرِّ ما تَهُبُّ به الرّياحُ، ومِن شَرِّ بَوائقِ الدَّهرِ» [السنن الكبرى للبيهقي].
وعَنْ طاوس قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: “إِذَا كَانَ صَبِيحَةُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَتَوَجَّهَ أَهْلُ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، نَادَى جِبْرِيلُ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَا بَيْن الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ، أَنْ تَوَجَّهُوا فَقَدْ غُفِرَتْ ذُنُوبُكُمْ، وَأُوجِبَتْ أُجُورُكُمْ عَطِيَّةً مِنَ اللهِ” [حلية الأولياء].
وعن عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، بِالْمَغْفِرَةِ» فَأُجِيبَ: «إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، مَا خَلَا الظَّالِمَ، فَإِنِّي آخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ» قَالَ: «أَيْ رَبِّ إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ» فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّتَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، أَعَادَ الدُّعَاءَ، فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ تَبَسَّمَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنَّ هَذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ تَضْحَكُ فِيهَا، فَمَا الَّذِي أَضْحَكَكَ؟ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ قَالَ: «إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَدِ اسْتَجَابَ دُعَائِي، وَغَفَرَ لِأُمَّتِي أَخَذَ التُّرَابَ، فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ» [رواه ابن ماجه].
وعن فَرْقد بن بشير- وهو أحد شيوخ البخاري وأحمد- أنه قال: “إن أبواب السماء تفتح كل ليلة ثلاث مرات وفي ليلة الجمعة سبع مرات وفي ليلة عرفة تسع مرات” [لطائف المعارف].
وقال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “ليس في الأرض يوم إلا لله فيه عُتقاء من النار، وليس يوم أكثر من أن يُعتق الله فيه رقابًا من يوم عرفة، فأكثِر أن تقول فيه: اللهم أعتق رقبتي من النار، وأوسع لي من الرزق الحلال، واصرف عني فَسَقَةَ الجن والإنس، فإنه عامة دعائي في ذلك اليوم” [رواه ابن أبي الدنيا].
حال السلف الصالح على عرفات:
كان للسف الصالح أحوال عجيبة على عرفات، فأظهروا فقرهم ومسكنتهم إلى مولاهم، واستمطروا رحمات الله تعالى النازلة، فيُروى عن محمد بن المُنكدِر أنه حج ثلاثًا وثلاثين حجة، فلما كان آخر حجة حجها، قال وهو بعرفات: “اللهم إنك تعلم أنني قد وقفت في موقفي هذا ثلاثًا وثلاثين وقفة، فواحدة عن فرضي، والثانية عن أبي، والثالثة عن أمي، وأشهدك يا رب أني قد وهبت الثلاثين لمن وقف موقفي هذا، ولم تتقبل منه”، فلما دفع من عرفات ونزل بالمزدلفة، نودي في المنام: “يا ابن المنكدر، أتتكرم على من خلق الكرم؟ أتجود على من خلق الجود؟ إن الله تعالى يقول لك: وعزتي وجلالي، لقد غفرت لمن وقف بعرفات قبل أن أخلق عرفات بألفي عام” [إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين].
وإني لأدعو الله أطلبُ عفوَهُ ** وأَعلمُ أنَّ الله يعفو ويغفرُ
لئن أَعظمَ الناسُ الذنوبَ فإنها ** وإن عَظُمَتْ في رحمةِ الله تصغُرُ
[لطائف المعارف].وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْوَرْدِ، قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ الخُرَسَانيُّ: “إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَخْلُوَ بِنَفْسِكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَافْعَلْ” [حلية الأولياء].
وكان السلف الصالح إذا كان يوم عرفة استقرُّوا في المساجد، وانقطعوا عن الدنيا، وعن أهلها، وتفرَّغوا للذكر والصلاة، وتلاوة القرآن، فمن كان يومه كذلك، فهو حَرِيٌّ بأن ينال رحمة رب العزة والجلال، ويستحب الجهر بهذا التكبير؛ “وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا” [رواه البخاري].
وعن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: غَدَاةَ عَرَفَةَ: مَا تَقُولُ فِي التَّلْبِيَةِ هَذَا الْيَوْمَ؟ قَالَ: “سِرْتُ هَذَا الْمَسِيرَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ، وَلَا يَعِيبُ أَحَدُنَا عَلَى صَاحِبِهِ” [رواه مسلم]
وَرُوِيَ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، أَنَّهُ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَالنَّاسُ يَدْعُونَ، وَهُوَ يَبْكِي بُكَاءَ الثَّكْلَى الْمُحْتَرِقَةِ، فَلَمَّا كَادَتِ الشَّمْسُ تَسْقُطُ، قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: “وَاسَوْأَتَاهُ مِنْكَ وَإِنْ عَفَوْتَ” [مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن، لابن الجوزي].
وعن الفضيلِ بنِ عياضٍ أنّه نظرَ إلى تسبيحِ الناسِ وبكائِهِم عشيةَ عرفةَ فقال: “أرأيتُم لو أنّ هؤلاءِ صارُوا إلى رجلٍ فسألُوه دانَقًا – يعني: سدسَ درهمٍ – أكانَ يردهُم؟ قالوا: لا، قال: واللهِ للمغفرة عندَ اللهِ أهونُ مِن إجابةِ رجلٍ لهُم بدانقٍ” [لطائف المعارف].
وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: “جِئْتُ إلَى سُفْيَانَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَهُوَ جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَعَيْنَاهُ تَهْمِلَانِ فَبَكَيْتُ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقُلْتُ: مَنْ أَسْوَأُ هَذَا الْجَمْعِ حَالًا؟ قَالَ: الَّذِي يَظُنُّ أَنَّ اللَّهُ عز وجل لَا يَغْفِرُ لَهُمْ” [حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا].
وعَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ، قَالَ: وَقَفَ مُطَرِّفٌ، وَبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ: “اللَّهُمَّ لا تَرُدَّهُمُ الْيَوْمَ مِنْ أَجْلِي”، وَقَالَ بَكْرٌ: “مَا أَشْرَفَهُ مِنْ مَوْقِفٍ وَأَرْجَاهُ لِأَهْلِهِ، لَوْلا أَنِّي فِيهِمْ” [مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن].
وقال بعض الصالحين: رأيتُ رجلًا بمكة يقول: “اللهمَّ بحق صائمي عرفة لا تحرمني ثواب يوم عرفة”، فسُئل عن ذلك، فقال: كان والدي يدعو بهذا الدعاء، فلما ماتَ رأيتُه في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بهذا الدعاء، ولما وضعت في قبري جاءني نورٌ فقيل لي: هذا ثواب عرفة قد أكرمناك به” [نزهة المجالس ومنتخب النفائس].
أسباب المغفرة في يوم عرفة:
لخصَّ الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى ذلك فقال: “فمن طمع في العتق من النار ومغفرة ذنوبه في يوم عرفة؛ فليحافظ على الأسباب التي يُرجى بها العتق والمغفرة فمنها: صيام ذلك، ومنها: حفظ جوارحه عن المحرمات في ذاك، ومنها: الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق فإنها أصل دين الإسلام الذي أكمله الله تعالى في ذلك اليوم وأساسه، ومنها: كثرة الدعاء بالمغفرة والعتق فإنه يرجى إجابة الدعاء فيه” [لطائف المعارف].
ما يُحذَر يوم عرفة:
لخصَّ الإمام ابن رجب الحنبلي أهم ما ينبغي أن يُحذر في يوم عرفة، فقال: “وليحذر من الذنوب التي تمنع المغفرة فيه والعتق، فمنها:
الاختيال: رُوِّينا من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا يُرَى يَوْمٌ أَكْثَرَ عَتِيقًا وَلَا عَتِيقَةً مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ فِيهِ لِمُخْتَالٍ»، وخرجه البزار والطبراني وغيرهما.
و”المختال”: هو المتعاظم في نفسه المتكبر، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: ٢٣].
ومنها: الإصرار على الكبائر: روى ابن أبي الدنيا وغيره “أن رجلًا رأى في منامه أن الله قد غفر لأهل الموقف كلِّهم إلا رجلًا من أهل بلخ، فسأل عنه حتى وقع عليه، فسأله عن حاله، فذكر أنه كان مدمنًا لشرب الخمر ليلة وهو سكران، فعاتبته أمه وهي تَسْجُرُ تَنُّورًا، فاحتملها فألقاها فيه حتى احترقت”.
يا من يطمع في العتق من النار ثم يمنع نفسه الرحمة بالإصرار على كبائر الإثم والأوزار، تالله نصحت نفسك ولا وقف في طريقك غيرك توبق نفسك بالمعاصي، فإذا حرمت المغفرة قلت: أنَّى هذا: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: ١٦٥].
فإن كنت تطمع في العتق فاشتر نفسك من الله: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: ١١١] من كرمت عليه نفسه هان عليه كل ما يبذل في افتكاكها من النار.
وفي هذا الموسم قد رخص السعر من ملك سمعه وبصره ولسانه غفر له مد إليه يد الاعتذار، وقُم على بابه بالذل والانكسار وارفع قصة ندمك مرقومة على صحيفة خدك بمداد الدموع والغزار وقل: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: ٢٣] [لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي].
صيام يوم عرفة وتكفيره للسيئات:
يستحب صوم يوم عرفة لغير الحاج باتفاق الفقهاء؛ قال الإمام الترمذي: “وَقْدِ اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَّا بِعَرَفَةَ” [سنن الترمذي].
فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [رواه مسلم].
وروي عن عطاء قال: “من صام يومَ عرفة كان له كأجر ألفيْ يوم” [لطائف المعارف].
وأما بالنسبة للحاج الواقف على عرفات فلا يصوم، فقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف مفطرًا، وفي الحديث الذي رواه الحاكم وصححه على شرط البخاري ووافقه الذهبي: “نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ”.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: “أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْطَرَ بِعَرَفَةَ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمُّ الفَضْلِ بِلَبَنٍ فَشَرِبَ” [رواه الترمذي].
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: “من فاته في هذا العام القيام بعرفة؛ فليقم لله بحقه الذي عرفه، من عجز عن المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه، من لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف فليقم لله بحق الرجاء والخوف، من لم يقدر على نحر هديه بمنا فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنا، من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد” [لطائف المعارف].
إن يومَ عرفة ليس للحجاج فقط، بل هو يومٌ للأمة كلها، يومُ توبةٍ وإنابة، يومُ ذكرٍ واستغفار، فيا من قصّر، هذا يومُك، ويا من أذنب، هذا بابُك، ويا من أثقلته الذنوب، هذه فرصةُ النجاة، أين التائبون؟ أين المستغفرون؟ أين من يريد أن يُكتب اسمه في قائمة العتقاء من النار؟ اجعل الثواني في هذا اليوم مباركة، والدقائق رابحة، والساعات خاشعة، فكل جزء منه يمكن أن يعود عليك باستثمارات خير وبركة وعطاء طوال العام.
ومِن أعظم ما تقرَّبَ به العبد إلى ربه يوم في عرفة: أداء الفرائض على الوجه الأكمل؛ ففي الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» [رواه البخاري].
إنها ساعاتٌ قليلة، لكنها تساوي أعمارًا طويلة، فاغتنموها في كل عمل صالح.
فاللهم اجعلنا من أهل يوم المباهَاة الربانية، اللهم باهِ بنا ملائكتك، اللهم أعتق رقابنا من النار، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وارزقنا حج بيتك الحرام، وزيارة سيد الأنام، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الخطبة الثانية
التحذير من إلقاء القمامة في الشوارع (مخلفات ذبح الأضاحي)
إنَّ من دلائل رقيِّ المرء وحُسنِ التزامه بدينه وآدابه: نظافةَ هيئتِه ومحيطِه؛ بحيث لا يكتفي بجمال مظهره، بل يحرص أن تكون بيوتُ مجتمعه أنظفَ البيوت، وطرقاتُه أطيبَ الطرقات، مُصانةً من الأذى والقاذورات، ولا سيما في أيام ذبح الأضاحي؛ إذ إنَّ إلقاء مخلفات الأضاحي والقمامة في الشوارع يُشوِّه المظهر العام، ويؤذي الناس، وينافي ما دعا إليه الإسلام من النظافة والإحسان وحفظ حقوق المارة والجيران. وإليك بيان ذلك:
تنحية الأذى عن الطريق إحدى شُعب الإيمان:
جعل النبي صلى الله عليه وسلم إماطةَ الأذى عن الطريق شعبةً من شعب الإيمان؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» [رواه مسلم]، فدلَّ ذلك على أن كمال الإيمان لا يظهر في العبادات وحدها، بل يمتد أثره إلى سلوك المسلم في حياته العامة، فيُزيل ما يؤذي الناس، ويحفظ نظافة الطرقات، ويصون المرافق من القاذورات.
كما أن الحياء شعبةٌ من الإيمان، وهو خلقٌ يبعث صاحبه على ترك كل ما يشين أو يُؤذي أو يُخِلّ بالمروءة، ومن ذلك الحرص على نظافة الشوارع وعدم إلقاء المخلفات فيها، لا سيما في موسم ذبح الأضاحي، حتى يبقى المجتمع طاهرًا في مظهره، نقيًّا في سلوكه، معبّرًا عن جمال هذا الدين وكمال هديه.
رفع الأذى عن الطريق سببٌ للمغفرة:
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، وَغَفَرَ لَهُ» [صحيح البخاري].
قال ابن حبان في «صحيحه»: “اللَّهُ – جَلَّ وَعَلَا – أَجَلُّ مِنْ أَنْ يشكر عبيده إذ هو البادئ بِالْإحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَالْمُتَفَضِّلُ بِإتْمَامِهَا عَلَيْهِمْ وَلَكِنَّ رِضَا اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا بِعَمَلِ الْعَبْدِ عَنْهُ يَكُونُ شُكْرًا مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا عَلَى ذَلِكَ الفعل”.
حرمة إيذاء الناس في طرقاتهم بأي صور الإيذاء:
فعَنْ أَبِيْ مُوسى رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ فَلْيَاخُذْ عَلَى نِصَالِهَا لا يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا» [متفق عليه].
وفي رواية قَالَ: «إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا، أَوْ فِي سُوقِنَا، وَمَعَهُ نَبْلٌ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا – أَوْ قَالَ: فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ – أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْءٌ» [متفق عليه].
من محاسن الأعمال.. إماطة الأذى:
لقد كانت إماطةُ الأذى عن الطريق من الأعمال التي يُعظِّم شأنَها الإسلام، حتى رُوي أن ثوابها يُعرَض على النبي صلى الله عليه وسلم، لما فيها من حفظٍ لحقوق الناس، وإزالةٍ لما يؤذيهم ويعترض سبيلهم، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي بِأَعْمَالِهَا: حَسَنِهِ وَسَيِّئِهِ، فَرَأَيْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا: الْأَذَى يُنَحَّى عَنِ الطَّرِيقِ …» [سنن ابن ماجه].
السلف الصالح والوصية بتنحية الأذى عن طريق الناس:
عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ: «اعزل الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ» [صحيح مسلم].
وفي لفظ قال: قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَا أَدْرِي، لَعَسَى أَنْ تَمْضِيَ وَأَبْقَى بَعْدَكَ، فَزَوِّدْنِي شَيْئًا يَنْفَعُنِي اللهُ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «افْعَلْ كَذَا، افْعَلْ كَذَا – أَبُو بَكْرٍ نَسِيَهُ – وَأَمِرَّ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» [صحيح مسلم].
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مَعَ مُعَاذٍ، فَجَعَلَ مُعَاذٌ لَا يَرَى أَذًى فِي طَرِيقٍ إِلَّا نَحَّاهُ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الرَّجُلُ جَعَلَ لَا يَمُرُّ بِشَيْءٍ إِلَّا نَحَّاهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: الَّذِي رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ، قَالَ: “أَصَبْتَ أَوْ قَدْ أَحْسَنْتَ، إِنَّهُ مَنْ أَمَاطَ أَذًى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ وَمَنْ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ دَخَلَ الْجَنَّةَ” [الأدب لابن أبي شيبة].





