مقالات
أخر الأخبار

شعبان عبدالتواب كحك قريباً الأرضُ للفقراء والسرابُ للأغنياء: مفارقة الثروة في عصر اللاشيء

في عالم الاقتصاد القديم، كانت القيمة تُقاس بما يمكنك لمسه: الذهب لندرته، والأرض لإنتاجها، والسيارات للجهد المبذول في تصنيعها. لكننا اليوم نعيش في **”اقتصاد اللاشيء”**؛ عصر تُباع فيه الأصول غير المرئية بمليارات الدولارات، ويتحول فيه الفراغ الرقمي إلى السلعة الأغلى على وجه الأرض.

تأمل كيف تُباع أراضٍ وهمية في “الميتافيرس” بملايين الدولارات الحقيقية، رغم أنها مجرد أسطر من الشفرات البرمجية. وتأمل كيف تُدفع ثروات طائلة لشراء رموز غير قابلة للاستبدال (NFTs) لامتلاك “شهادة رقمية” لصورة يستطيع أي شخص نسخها بضغطة زر. الغرابة هنا لا تكمن في التكنولوجيا، بل في السيكولوجيا البشرية؛ لقد أصبحنا ندفع ثرواتنا لا مقابل ما نحتاجه للبقاء، بل لنضمن لأنفسنا حصة في **”وهم جماعي”** مُعترف به.

هذا التحول يدفع رأس المال للهروب من المصانع والمزارع والبنية التحتية، ليتدفق نحو منصات تبيع المظاهر الرقمية والمشاعر اللحظية. والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في خسارة الأموال عند انفجار هذه الفقاعة، بل في تآكل القيمة الفعلية للعمل والإنتاج.

عندما يغدو الفراغ الرقمي أغلى من السلع الأساسية، فإننا نُعيد تشكيل الوعي البشري لنصل إلى مفارقة موجعة: **قريباً.. الأرضُ للفقراء والسرابُ للأغنياء.**

فهل نحن أمام أقصى درجات الذكاء الرأسمالي في استثمار الرغبة، أم أننا نكتب السطر الأول في بداية نهاية الاقتصاد الحقيقي؟

وقال كحك :

إن الدول التي تكتفي بمشاهدة هذا التحول الرقمي والتكنولوجي الهائل من مقاعد الجماهير، ستستفيق غداً لتجد نفسها تستهلك افتراضيات صنعها الآخرون وتتحكم في اقتصادها وتوجّه وعي أجيالها. إن حجز مكانٍ أصيل لنا في هذا العالم الجديد لم يعد خياراً ثانوياً أو رفاهية، بل هو شريان الحياة الحقيقي لحماية مقدراتنا، وبناء اقتصاد موازٍ يدمج بين حقيقة أراضينا وثرواتنا المادية، وبين امتلاك أدوات وحاضنات المستقبل الرقمي قبل أن يسبقنا الطوفان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى