فن

القومي يودع أحد أبنائه.. جنازة عبدالرحمن أبو زهرة تعيد حكاية الزمن الجميل – الإخبارية 24


لم يكن مرور جنازة الفنان الراحل عبد الرحمن أبو زهرة أمام مبنى المسرح القومي في منطقة العتبة مجرد لحظة عابرة في مراسم الوداع، بل بدا المشهد وكأنه تحية أخيرة بين فنان كبير ومكان ارتبط باسمه وتاريخه لعقود طويلة، فالمسرح الذي شهد خطواته الأولى، واحتضن أحلامه الفنية في بداياته، عاد ليودعه في رحلته الأخيرة، في لقطة مؤثرة أعادت إلى الأذهان قيمة المسرح القومي في وجدان كبار الفنانين المصريين، باعتباره البيت الأول للفن الحقيقي، والمنصة التي صنعت أجيالًا كاملة من المبدعين.

وعلى مدار سنوات طويلة، ظل المسرح القومي رمزًا للمكانة الفنية الرفيعة، حتى أصبح الوقوف على خشبته حلمًا لكل ممثل يسعى إلى إثبات موهبته، فمن فوق هذه الخشبة العريقة انطلقت مسيرات عدد كبير من النجوم الذين تحولوا لاحقًا إلى علامات بارزة في تاريخ الفن المصري والعربي، بعدما قدموا أعمالًا خالدة جمعت بين القيمة الفكرية والمتعة الفنية.

ويقع المسرح القومي في قلب القاهرة، بمنطقة الأزبكية وتحديدًا في ميدان العتبة، ويعد واحدًا من أقدم وأهم المسارح في العالم العربي. 

ويرتبط تأسيسه بفترة ازدهار ثقافي وفني شهدتها مصر في عهد الخديوي إسماعيل، الذي أصدر قرار إنشائه عام 1869 بالتزامن مع احتفالات افتتاح قناة السويس، ضمن مشروعه الطموح لتحويل القاهرة إلى مدينة تضاهي العواصم الأوروبية الكبرى في الفن والثقافة والعمران.

وفي بداياته، كان المسرح يقدم عروضًا فنية أجنبية، خاصة الفرنسية والإيطالية، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى منصة تستقبل العروض العربية والمصرية، مع تطور الحركة المسرحية في مصر خلال بدايات القرن العشرين، وشهد المسرح ميلاد العديد من الفرق المسرحية الكبرى، التي لعبت دورًا مهمًا في تشكيل الوعي الثقافي والفني للمجتمع المصري.

ومع تأسيس المسرح الوطني عام 1921، بدأت مرحلة جديدة أكثر ارتباطًا بالهوية المصرية، حيث تحولت الخشبة إلى مساحة تعبر عن قضايا المجتمع وهمومه، وتناقش التحولات السياسية والاجتماعية التي مرت بها البلاد، وبعد ثورة يوليو 1952، تغير اسم المسرح رسميًا إلى “المسرح القومي”، ليصبح عنوانًا للحركة المسرحية الرسمية في مصر، ومنبرًا لأهم الأعمال الكلاسيكية والحديثة التي تركت أثرًا واضحًا في تاريخ الفن العربي.

وخلال العقود التالية، وقف على خشبة المسرح القومي كبار الفنانين والمخرجين والكتاب، الذين أسهموا في ترسيخ مفهوم المسرح الجاد، القادر على الجمع بين الترفيه والرسالة الثقافية، ولم يكن المسرح مجرد مكان لتقديم العروض، بل تحول إلى مدرسة فنية متكاملة، خرج منها عدد هائل من النجوم الذين أصبحوا لاحقًا من رموز السينما والتلفزيون والمسرح.

ورغم ما تعرض له المسرح القومي من أزمات عديدة، أبرزها الحريق الكبير الذي اندلع عام 2008 وأدى إلى تدمير أجزاء واسعة منه، فإن قيمته التاريخية والفنية ظلت حاضرة بقوة، وبعد سنوات من الترميم والتطوير، عاد المسرح ليفتح أبوابه من جديد، محافظًا على مكانته كأحد أهم الصروح الثقافية في مصر والعالم العربي.

ولذلك، لم يكن مرور جنازة عبد الرحمن أبو زهرة أمام المسرح القومي مجرد صدفة جغرافية، بل بدا وكأنه مشهد يحمل دلالة عميقة، تختصر علاقة الفنان الحقيقي بالمسرح الذي منحه البدايات، واحتفظ بصدى صوته وذكرياته فوق خشبته لعقود طويلة، ليظل المسرح القومي شاهدًا حيًا على تاريخ الفن المصري ورحلة رواده الكبار.

يفقد الفن المصري واحدًا من أبرز رموزه الذين ارتبطت أسماؤهم بالمسرح الجاد والموهبة الحقيقية، بينما يبقى المسرح القومي شاهدًا على رحلة طويلة من الإبداع والعطاء، احتضن خلالها أحلام الفنانين الكبار وخلّد أسماءهم فوق خشبته، ليظل دائمًا بيت الفن الأول وذاكرة الثقافة المصرية الحية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى